أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

195

العقد الفريد

قال : فبينا أنا أتعجب وأسأل اللّه العافية ، إذ دخل علينا شيخ من أهل مرو ونظر إلى العود فقال : أبا فلان ، فررت من شيء ووقعت فيما هو شرّ منه ؛ أما علمت أن الشمس والريح تأخذان من سائر الأشياء ؟ أو ليس [ قد ] كان البارحة هذا العود عند إطفاء السراج أروى ؛ وهو عند إسراجك الليلة أعطش ؟ قد كنت أنا جاهلا مثلك زمانا ، حتى وفقني اللّه إلى ما [ هو ] أرشد ؛ اربط عافاك اللّه مكان العود إبرة كبيرة أو مسلة صغيرة ؛ فإن الحديد أبقى ، وهو مع ذلك غير نشاف ؛ والعود والقصبة ربما تعلقت بهما العشرة من قطن الفتيلة فتشخص معها ؛ وربما كان ذلك سببا لانطفائها ! قال الخراساني : ألا وإنك لا تعلم أنك من المسرفين حتى تعمل بأعمال المصلحين . للجزامي : قال الأصمعي : قال لي أبو محمد الجزامي ، واسمه عبد اللّه بن كاسب ، ونحن في العسكر ؛ إن للشيب سهكة « 1 » وبياض الشعر الأسود هو موته ، كما أن سواده حياته ، ألا ترى أن موضع دبرة الحمار الأسود لا ينبت فيها إلا شعر أبيض ، والناس لا يرضون منا في هذا العسكر إلا بالعناق والمشامّة والطيب غال ممتنع الجانب ، فلست أرى شيئا هو أحسن بنا من اتخاذ مشط صندل ؛ فإن ريحه طيّبة ، والشعر سريع القبول [ منه ] ؛ وأقل ما تصنع أن ما ينفي سهك الشيب ؛ حتى يكون حال لا لنا ولا علينا . لابن أشرس : وكان ثمامة بن أشرس يقول : إياكم وأعداء الخبز أن تأتدموا بها ، واعلموا أن أعدي عدوّ له المملوك ، فلولا أن اللّه أعان عليه بالماء لأهلك الحرث والنسل ! وكان يقول : كلوا الباقلاء بقشره ، فإن الباقلاة تقول : من أكلني بقشري فقد أكلني ، ومن أكلني بغير قشري فقد أكلته !

--> ( 1 ) السهكة : الرائحة الكريهة .